سيد محمد طنطاوي
52
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها ، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ، ليأمنوا على دينهم هناك . . ثم بعد ذلك ، هاجر الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة المنورة . . . » « 1 » . وفي ندائهم بقوله : يا عِبادِيَ وفي وصفهم بالإيمان ، تكريم وتشريف لهم ، حيث أضافهم - سبحانه - إلى ذاته ، ونعتهم بالنعت المحبب إلى قلوبهم . وقوله : إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ تحريض لهم على الهجرة من الأرض التي لا يتمكنون فيها من إقامة شعائر دينهم ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : ليس هناك ما يجبركم على الإقامة في تلك الأرض التي لا قدرة لكم فيها على إظهار دينكم ، بل اخرجوا منها فإن أرضى واسعة ، ومن خرج من أجل كلمة اللَّه ، رزقه اللَّه - تعالى - من حيث لا يحتسب . ومن المفسرين الذين أجادوا في شرح هذا المعنى ، صاحب الكشاف - رحمه اللَّه - فقد قال : ومعنى الآية : أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه ، ولم يتمش له أمر دينه كما يحب ، فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلبا ، وأصح دينا ، وأكثر عبادة . . . ولعمري إن البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت الكثير ، ولقد جربنا وجرب أولونا ، فلم نجد فيما درنا وداروا : أعون على قهر النفس ، وعصيان الشهوة ، وأجمع للقلب المتلفت ، وأضم للهم المنتشر ، وأحث على القناعة ، وأطرد للشيطان ، وأبعد عن الفتن . . . من سكنى حرم اللَّه ، وجوار بيت اللَّه ، فلله الحمد على ما سهل من ذلك وقرب . . . » « 2 » . والفاء في قوله - تعالى - فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ بمعنى الشرط ، وإياي منصوب بفعل مضمر ، قد استغنى عنه بما يشبهه . أي : فاعبدوا إياي فاعبدون . والمعنى : إن ضاق بكم مكان ، فإياي فاعبدوا ، لأن أرضى واسعة ، ولن تضيق بكم . ثم رغبهم بأسلوب آخر في الهجرة من الأرض الظالم أهلها ، بأن بين لهم بأن الموت سيدركهم في كل مكان ، فقال - تعالى - : * ( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ، ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ) * . أي : كل نفس سواء أكانت في وطنها الذي عاشت فيه أم في غيره ، ذائقة لمرارة الموت ، ومتجرعة لكأسه ، ثم إلينا بعد ذلك ترجعون جميعا لنحاسبكم على أعمالكم . ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين الصادقين من جزاء طيب فقال : * ( والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً . . . ) * .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 299 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 461 .